بحث داخل الموقع

أبريل 10، 2015

مع الكاتب المفكر: عبد المنعم الخن حلقة 19 - الأحاديث والروايات المكذوبة في كتب التراث ج 19

نخصص هذه الحلقة لبيان قيمة الإمام محمد بن إسماعيل البخاري وعظيم جهده في إستخلاص أحاديث رسول الله صلي الله عليه وسلم وتنقيتها مما دس فيها وفرّغ من
أجل ذك عمره كله ومع ذلك نشير إلي أنه لا ينبغي تقديس الرجل فهو بشر وليس ملاكا كما سيأتي ذكره وكما سنورد بالأسماء بعض التراثيين الذين نقدوه رغم إفصاحهم عن تقديرهم للرجل , كما سننوه عن أسباب كثرة الوضع في الحديث حتي صار وباء يصيب كل صاحب هوي أو بدعة فيضع حديث وينسبه للرسول صلي الله عليه وسلم , وأطلب من الله العون.


بداية لا أقلل من قيمة الإمام محمد بن إسماعيل البخاري فقد كان رحمه الله من أعظم من عكف على حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعُنى بتنقيته مما دُسَّ فيه، وفرغ لذلك طول عمره، كما عرف عنه قوة الذاكرة، أما تقواه وورعه فهما محل تسليم لا جدال فيه جميع معاصريه ، ويكفى لتقدير عمله أنه استخلصه من ستمائة ألف حديث ألمَّ بها، وهذا العدد الكبير يشير إلي الجهد العظيم الذي بذله البخاري كما يشير إلي إتساع دائرة الوضع (اي وضع الحديث بما يتفق ما هوي من وضعه) حتي أخذ شكلاً وبائيًا ، لأنه لا يعقل أن الرسول قد تحدث بهذه الأعداد المهولة.

من أجل ذلك ينبغي علي كل مسلم الإعتراف بفضل البخارى وإحترامه ، وكذلك زميله الإمام مسلم، ولكن هذا لا يتنافى مع كونه بشرا وليس ملاكاً معصومًا لا يمكن أن يخطئ ، فوقوع البخارى فى خطأ ما لا ينال منه ، ولا ينقص من منزلته ، وفى الوقت نفسه فإن تمكنه لا تقتضى منا بالضرورة الاتباع والتسليم بكل ما جاء به، إذ المفروض أنه لا يحمل ختم الجودة من الله أو رسوله ولأن هذا يعني إلغاء العقل الذي وهبه لنا رب العزة وأمرنا بالتعقل والتدبر وخاطب الناس بـ (يا أولو الألباب) ولا يمنع هذا من أن نستأنس به ونأخذ بما فيه من صحيح. وقد توصل كبار الأئمة إلى هذا المعنى ونهوا عن تقليدهم أو النقل عنهم ، وقال مالك: كل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذه الروضة الشريفة (يشير للرسول) صلى الله عليه وسلم.

ورغم أن كثير من التراثيون أفصحوا عن تقديرهم للبخارى فإن هذا لم يمنعهم من نقده، ولم يحدث أن كان هناك إجماع على صحة كل حديث فى الصحيحين.

وإليكم بعض من نقد أحاديث البخارى: 
والإمام أحمد بن حنبل
وعلى بن المدينى
ويحيى بن معين
وأبوداود السجستانى 
وأبوحاتم 
وأبوزرعة الرازيان
وأبوعيسى الترمذى
والعقيلى 
والنسائى 
وأبوعلى النيسابورى 
وأبوبكرالإسماعيلى
وأبونعيم الأصبهانى
وأبوالحسن الدارقطنى 
وابن مندة 
والبيهقى 
والعطار 
والغسانى الجيانى
وأبوالفضل الهروى بن عمار الشهيد
وابن الجوزى 
وابن حزم 
وابن عبدالبر
وابن تيمية
وابن القيم 
والألبانى 
وكثير غيرهم، فهل كل هؤلاء العلماء مبتدعة متبعون غير سبيل الحق؟!

ومن الكتب التى تضمنت نقدًا لأحاديث فى البخارى كتاب "الالتزامات والتتبع" للحافظ الدارقطنى ، بتحقيق الشيخ مقبل الوادعى ، طبع دار الكتب العلمية ببيروت، وهو ينتقد حوالى مائتى حديث بعلل قادحة فى نظره، وقد ركز على العلل أكثر مما ركز على ضعف الرواة.

وحاول ابن حجر فى كتابه "هدى السارى" وهو مقدمة "فتح البارى شرح صحيح البخارى" أن يدفع انتقادات الدارقطنى حديثاً حديثاً، وقال فى ختام حديثه عنها: "أكثرها الجواب عنه ظاهر القدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه فى الجواب عنه تعسف".

وضعَّف العقيلى عددًا من أحاديث صحيح البخارى، بل ضعَّف بعض ما اتفق عليه البخارى ومسلم مثل حديث همام بن يحيى فى الأبرص، ورد أبوحنيفة الحديث المروى عن أن يهوديًا رض رأس جارية بين حجرين، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم برض رأسه بين حجرين، وقال إنه هذيان، كما رد حديث رفع البدن عند الركوع وهناك أحاديث أخرى ردها أبوحنيفة وأوردها الشيخ أبوزهرة فى كتابه "الإمام أبى حنيفة" ص ٣٢٤،

وكان مالك يضعف حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، ويقول: "يؤكل صيده فكيف يكره لعابه"، وأهمل حديث "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" لمنافاته الأصل القرآنى "لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى".

إن التخصص الذى وصل فى الحديث إلى درجة عالية، وكان كله 
هو حول "الرجال والرواة"، جعل المحدثين على مبعدة من القرآن، وقد فتن بعضهم بالسُـنة حتى قالوا إنها تقضى على القرآن، وقالوا "إن القرآن أحوج إلى السُـنة من السُـنة إلى القرآن"، ولعل هذا كان فى أصل قبول المحدثين لأحاديث تمس القرآن، بل وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم لأن تخصص المحدثين وعنايتهم بالحديث فاقت عنايتهم بصاحب الحديث، بمعنى أنها لم تجعل حاستهم نحو القرآن ونحو الرسول مرهفة بحيث تستكشف المساس بهما.

وفى العصر الحديث ارتفعت الدعوة لتنقية التفاسير القرآنية مما حفلت به من إسرائيليات وأساطير وخرافات، فطالب الشيخ عبدالمنعم النمر، وزير الأوقاف الأسبق، فى بحث له فى مجلة العربى (١) بتنقية التفاسير وطبع النسخة المنقحة، وعدم طبع النسخة القديمة والإكتفاء بإيداعها في دور الكتب والجامعات بحيث لا يطالعها إلا البُحَّاث أو طلبة الدكتوراه.